عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
181
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
وقال إبراهيم بن أدهم : الحر الكريم يخرج عن الدنيا قبل أن يخرج منها . قلت : الحر الكريم من يخرج عن الكونين ، وإن لم يخرج عنهما كما كان حال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - أخرج عن كون الدنيا بالبراق وجبريل ، وأخرج عن كون الآخرة بالرفرف ، وجذبه ادن مني . وأخرج عن كون أنانيته بتجلي كينونية ربه ، فلهذا انفرد بالعبدية مطلقا ، وتوحد بالحرية مطلقا ، فكان عبدا لا يعبد إلا ربه وكان حرا لا يتعبد إلا لربه . ومنها الفتوة : قال اللّه تعالى : إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً ( 13 ) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ [ الكهف : 13 ، 14 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « اللّه في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم » « 1 » . اعلم أن الفتوة اسم جامع لمعان جميلة وخصال حميدة وأخلاق كريمة روحانية ومواهب سنية أولها الإيمان التحقيقي لا التقليدي كما كان لأصحاب الكهف إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ [ الكهف : 13 ] بلا واسطة تقليد بل بنظر تحقيق ، وكما كان لإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - إذ قال إبراهيم : إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 99 ) [ الصافات : 99 ] ثم زيادة الهداية على الهداية . إنه كما قال : وَزِدْناهُمْ هُدىً ( 13 ) [ الكهف : 13 ] ولا ريب أن الإيمان لا يكون إلا بالهداية فآمنوا بالهداية فزدناهم هدى . فهو هداية على الهداية . وقوله : إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي [ الصّافات : 99 ] أيضا من الهداية . وقوله : سَيَهْدِينِ * ( 99 ) [ الصافات : 99 ] طلب الهداية على الهداية كقوله تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] فتوفيق المجاهدة في اللّه من الهداية ، ثم قوله : لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] الهداية على الهداية ، ثم الربط على القلب ، وهو بمنزلة السكينة قال تعالى : وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ [ الكهف : 14 ] أي : أنزلنا السكينة في قلوبهم وربطنا على قلوبهم ألا يلتفتوا إلى غير اللّه تعالى وهذا من المواهب السنية ثم العفة والتقى وبذل الفدى ومنع الأذى والتحول عن الإخوان والصفح عن عثراتهم والتعامي عن عيوبهم ورؤية فضلهم وأداء حقوقهم وأماناتهم والسعي في تعاونهم وتناصرهم وترافقهم والاجتناب عن مخاصمتهم ومخالفتهم . ومن الفتوة الإيثار والرفد مع الوفد والإنصاف وترك الانتصاف والوفاء بالعهود والاحتراز عن الغدر والعفو عند المقدرة ونصرة المظلوم ورد المظالم والاستعلاء عن
--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الذكر والدعاء . . . ، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن ، حديث رقم ( 38 - 2699 ) . ورواه أبو داود في سننه ، كتاب الأدب ، باب في المعونة للمسلم ، حديث رقم ( 4946 ) ورواه غيرهما .